أوروبا و آسيا الوسطى
اندلعت الحرب في بداية أغسطس/آب 2008 بين دولتين أوروبيتين لأول مرة منذ ما يقرب من عقد كامل. فمنذ الصراعات التي شهدتها التسعينيات الأولى من القرن العشرين وأوروبا تتمتع بقدر كبير من الاستقرار من حيث اقتصادها وأمنها وتكريس سيادة القانون، ولكن هذه الأحداث قد بينت إلى أي مدى يمكن أن تنهار الافتراضات الأمنية التي ارتكزت عليها أوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة، وكيف يمكن أن يدفع المدنيون وتدفع حقوقهم الإنسانية ثمن انهيار هذه الافتراضات، على نحو ما حدث كثيراً.
وقد أدى الصراع الذي استمر خمسة أيام بين جورجيا وروسيا حول منطقة أوسيتيا الجنوبية المتنازع عليها إلى مقتل مئات المدنيين، وإصابة الآلاف بجروح، كما أدى عندما بلغ ذروته إلى نزوح ما يقرب من 200 ألف شخص. وكانت العمليات العسكرية بين الطرفين، وما تلاها من نهب وسلب وإشعال الحرائق، سبباً في إحداث أضرار كبيرة بمنازل المدنيين في جنوب أوسيتيا والمناطق المتاخمة لها، إذ استُخدمت فيها القنابل العنقودية المدمرة لأرواح المدنيين ومصادر رزقهم في وقت إلقائها وبعد انتهاء القتال.
وبحلول نهاية العام كانت الأزمة الاقتصادية العالمية قد بينت أيضاً كيف وجد الاستقرار المفترض للهيكل الاقتصادي للمنطقة من يطعن فيه، إذ كانت عدة دول أوروبية في حاجة إلى التدخل من جانب صندوق النقد الدولي لتدعيم اقتصادها، وسط مخاوف أوسع نطاقاً من أن يؤدي الهبوط الاقتصادي إلى دفع مزيد من الناس، ولاسيما أصبحوا مستضعفين من جراء الصراع أو التمييز أو انعدام الأمن، إلى المزيد من الفقر.
الحرمان
ظل الفقراء في شتى أرجاء أوروبا، وعلى امتداد عام 2008 ، محرومين من تلبية الكثير من حاجاتهم الأساسية. وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، ظلت أوروبا منطقة تتمتع بثراء نسبي في إطار العالم، ومع ذلك فقد كان الملايين من سكانها يعانون بسبب عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها بتوفير التعليم والرعاية الصحية والمسكن الآمن وسبل الرزق المكفولة للجميع على قدم المساواة. وعلى امتداد المنطقة ظلت الفجوة تزداد اتساعاً بين الأغنياء والفقراء، وكان التمتع بحقوق الإنسان يختلف اختلافاً واضحاً بين المقيمين على جانبي هذه الفجوة. وعلى غرار ما كان عليه الحال بالنسبة للجماعات المختلفة داخل البلدان، كان الفقر والبطالة في طاجيكستان، مثلاً، يصيبان النساء بأضرار أكبر من غيرهن، ويجعلان المرأة أكثر تعرضاً لانتهاكات حقوق الإنسان.
وعندما كانت الأحداث الخارجية أو أشكال سوء الإدارة على المستوى المحلي تؤدي إلى حالات نقص معينة، كان أفقر الفقراء أول من يشعر بها وأشد من يعانيها. ففي ألبانيا، على سبيل المثال، كان الذين يعيشون تحت خط الفقر، ويمثلون أكثر من 18 بالمئة من السكان، يعانون معاناة بالغة الحدة من الموارد المحدودة للبلد في مجال التعليم والمياه النظيفة والصحة والرعاية الاجتماعية. وكان شتاء هذا العام من أقسى فصول الشتاء التي شهدها وسط آسيا منذ عدة عقود، فأصاب البنية الأساسية الحيوية بالشلل، وجعل مناطق شاسعة من المنطقة تواجه حالات النقص في الطاقة والأغذية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى إصدار مناشدات الطوارئ لمساعدة طاجيكستان وقرغيزستان.
انعدام الأمن
على غرار ما شهدته الأعوام الماضية، كانت كلمة «الأمن » هي الشعار الذي يُستخدم في رسم السياسات والممارسات التي أتت بالعكس، مثل تقويض حقوق الإنسان باسم محاربة الإرهاب، وتغطية الانتهاكات بالإفلات من العقاب، وتدعيم الحواجز المقامة ضد من يسعون للفرار من وجه الاضطهاد أو العنف أو الفقر. وفي بعض الحالات، كانت تلك السياسات تؤدي أيضاً، بصورة غير مباشرة، إلى إذكاء ضرام التمييز، وزيادة الوصمة التي أُلصقت بالسكان المسلمين المهاجرين في أوروبا، على سبيل المثال، وهم الذين يُعتبرون من أفقر جاليات بلدان أوروبا الغربية.

واستمر عزوف الإرادة السياسية عن الكشف عن حقيقة عمليات «النقل الاستثنائي »، أي نقل أشخاص بشكل غير قانوني من بلد إلى آخر، على الرغم من توافر الأدلة التي تثبت تواطؤ الدول الأوروبية دون أدنى شك. وتجلت بوضوح، في فبراير/شباط، ضرورة إجراء تحقيقات وافية مستقلة بشأن المشاركة في الرحلات الجوية الخاصة بعمليات «النقل الاستثنائي »، عندما اعترفت المملكة المتحدة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت، على العكس من التأكيدات المتكررة، قد استخدمت جزيرة دييغو غارثيا التابعة لبريطانيا مرتين على الأقل في عام 2002 في نقل المعتقلين، وذلك في إطار برنامجها الخاص بعمليات «النقل الاستثنائي » والاحتجاز السري.
وكانت بعض الدول مثل إسبانيا وإيطاليا والدانمرك وألمانيا والمملكة المتحدة على استعداد بالسماح بتقديم «تأكيدات دبلوماسية » غير قابلة للتنفيذ، كذريعة لترحيل المشتبه في أنهم من الإرهابيين إلى بلدان يتعرضون فيها حقيقةً لخطر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. ففي تركيا، كانت أحكام الإدانة الصادرة بموجب قوانين مناهضة الإرهاب كثيراً ما تستند إلى أدلة غير موضوعية أو غير موثوق بها. كما إن السرية التي يحاط بها تنفيذ إجراءات مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة أدت إلى إجراءات قضائية جائرة.
وفي فبراير/شباط، صدر حكم تاريخي يُعتبر مؤشراً على نوع القيادة المنشودة في مجال حقوق الإنسان في المنطقة، إذ أعادت «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان » تأكيد الحظر المطلق المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة غير الإنسانية أو المهينة. ويقضي الحكم بمنع الدول من إرسال أي شخص، بمن فيهم المشتبه في أنهم إرهابيون أو من يُزعم أنهم يمثلون خطراً على الأمن القومي أو الأمرين معاً، إلى بلدان يتوافر فيها ما يدعو إلى الاعتقاد بأنهم سوف يتعرضون لأمثال هذه الانتهاكات.
وكثيراً ما كان ضحايا التعذيب، ممن يُستهدفون بسبب انتمائهم العنصري أو بسبب هويتهم وبغرض انتزاع اعترافات في كثير من الأحيان، يتعرضون للخذلان في ظل النظم القضائية التي لا تخضع للمحاسبة من كُلِّفوا بضمان الأمن وسيادة القانون. وكان من بين العقبات التي تعوق المساءلة عدم إتاحة فرصة الاتصال بالمحامين على وجه السرعة، وتقاعس أعضاء النيابة عن متابعة التحقيقات متابعةً نشطة، وخوف الضحايا من الثأر منهم، والعقوبات الخفيفة التي تفرض على المدانين من أفراد الشرطة، وعدم وجود نظم مستقلة تتمتع بالموارد اللازمة لرصد الشكاوى. وأدت مثل هذه المثالب في بعض البلدان، مثل إسبانيا وأوزبكستان وأوكرانيا والبوسنة والهرسك وتركيا وروسيا وفرنسا وكازاخستان واليونان، إلى ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب.
وفي شتى أرجاء المنطقة عانت المرأة من انعدام أمنها الشخصي، إذ تقاعست الدولة عن حمايتها من العنف الذي تتعرض له في محيط الأسرة ومن شريك حياتها الحميم. وكان ذلك من صور الانتهاكات الشائعة على امتداد المنطقة ولكل الأعمار والفئات الاجتماعية، وكان يتجلى في تعرض المرأة لضروب شتى من التعدي لفظياً ونفسياً عليها، وللعنف البدني والجنسي، والسيطرة الاقتصادية بل والقتل العمد. وكانت ترتيبات الحماية تتسم بوجود فجوات بها، كما كانت القوانين القائمة التي تحظر مثل ذلك العنف لا تُنَفذ التنفيذ الكامل في حالات كثيرة، وظلت الموارد ناقصة بصورة مؤسفة في كثير من الأحيان، بما في ذلك الموارد اللازمة لتدبير المأوى وتدريب الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين الصادرة في هذا الشأن. وقرر مجلس أوروبا، في ديسمبر/كانون الأول، وضع معاهدة أو أكثر من معاهدة واحدة لتحديد المعايير الملزمة لمنع وقوع العنف ضد المرأة، والعنف ضدها في محيط الأسرة، وحمايتها ومقاضاة مرتكب العنف.
"تحمَّلت تعديه عليَّ بالضرب على مدى 14 عاماً، لأن هذا هو المتوقع في أرمينيا. فعلى المرأة في الأسرة الأرمينية أن تتحمل كل شيء، وعليها بعد ذلك أن تلزم الصمت." - د. م.، إحدى ضحايا العنف في محيط الأسرة، يريفان، أرمينيا، 2008.
وكثيراً ما كانت الجماعات المهمشة أيضاً تواجه العقبات التي تسد طريقها إلى الانتصاف أو إلى الحماية، وعلى نحو ما هو معتاد كانت جماعات معينة، مثل أفراد طائفة «الروما »، والمهاجرين والنساء والفقراء، هي التي تعاني أكثر من غيرها من انعدام الأمن.
وازدهرت أحوال البعض نتيجة انعدام الأمن المذكور، بل لقد كسبوا الأموال في أوروبا وعبرها من اتجارهم بالبشر، إذ كانوا يستغلون حاجة الفقراء إلى الطعام، والفساد، ونقص التعليم، والتفكك الاجتماعي، في إرغام الرجال والنساء والأطفال على العمل بالمنازل والمزارع والصناعات المختلفة وإنشاء المباني والمطاعم والبغاء.
وتمثلت إحدى الخطوات الرئيسية على طريق حماية حقوق هؤلاء الأفراد في دخول «اتفاقية مجلس أوروبا لمناهضة الاتجار بالبشر » حيز التنفيذ في فبراير/ شباط. وبحلول نهاية العام كانت 20 دولة من الدول الأعضاء البالغ عددها 47 قد صادقت على تلك المعاهدة، وكانت 20 دولة أخرى قد وقعتها. وأصبح الواجب على الدول الآن تنفيذ بنودها، وما تنص عليه من أشكال الحماية، حتى يصبح هذا الشكل «الحديث » من أشكال تجارة الرقيق نسياً منسياً في الأعوام المقبلة.
اللاجئون والمهاجرون
ظلت المنطقة تتسم بنمط متسق من انتهاكات حقوق الإنسان، وهو يتصل بقيام الدول باعتراض سبل المواطنين الأجانب واعتقالهم وطردهم، ومن بينهم من ينشدون الحماية الدولية. ففي بعض البلدان، مثل إيطاليا وتركيا ومالطة واليونان، كانت الحكومات تحرم هؤلاء من إجراءات طلب اللجوء التي تُعتبر مصدر أمن لهم. وفي بلدان أخرى خفضت الحكومات مستوى الحماية المتاحة لطالبي اللجوء العراقيين، وقامت بترحيل بعضهم. وكانت أوكرانيا وتركيا وروسيا من بين الدول التي أعادت طالبي اللجوء بالقوة إلى بلدان يتعرضون فيها لخطر ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وقالت «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين » التابعة للأمم المتحدة إن عدد الذين نجحوا في القيام بالرحلة الخطرة عبر البحر إلى أوروبا في عام 2008 بلغ 67 ألف شخص، مات مئات منهم في أثناء العبور، ومن المحال التأكد من الرقم الدقيق. وطلبت الأغلبية العظمى منهم اللجوء، ومُنح ما يربو على نصف هؤلاء الحماية الدولية. ومع ذلك فإن رد الفعل الذي كان يميز المنطقة بصفة عامة إزاء هذه الموجات الضخمة المختلطة من المهاجرين بصورة غير رسمية ظل يتسم بالقمع.
وفي خطوة مخيبة للآمال إلى حد بعيد اعتمد الاتحاد الأوروبي توجيهات معينة بشأن إعادة المهاجرين بصورة غير قانونية، تضع حداً أقصى بالغ الطول لفترة اعتقال طالبي اللجوء وغيرهم من المهاجرين بصورة غير قانونية تصل إلى 18 شهراً وتخاطر هذه التوجيهات بتخفيض المعايير القائمة داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتجعله نموذجاً سيئاً أمام مناطق العالم الأخرى.
الإقصاء والتمييز
وتعرض عدد كبير من طالبي اللجوء والمهاجرين للتمييز والإقصاء من التمتع بالخدمات المتاحة وفرص العمل، فعاشوا في فقر مدقع. وكان طالبو اللجوء الذين ترفض طلباتهم في بعض البلدان، مثل سويسرا، يُستبعدون من مظلة الرعاية الاجتماعية، وهو ما أدى إلى تهميشهم وعوزهم الشديد. وظل المهاجرون في ألمانيا يعانون من القيود المفروضة على تمتعهم بالرعاية الصحية والإنصاف القضائي في حالات انتهاك حقوق العمل الخاصة بهم، وكان تمتع أطفال المهاجرين بفرص التعليم محدوداً.
وقامت بلدان كثيرة باعتقال المهاجرين وطالبي اللجوء بانتظام واحتجازهم في أماكن غير ملائمة. وأعربت «اللجنة المعنية بحقوق الإنسان » التابعة للأمم المتحدة عن قلقها إزاء الأحوال السائدة في معتقلات المهاجرين في فرنسا، إذ كانت تعاني من التكدس الشديد وانخفاض مستوى النظافة. ولم تكن هولندا تلجأ كثيراً إلى بدائل للاعتقال، حتى بالنسبة للصغار الذين لا يصحبهم أحد، ولضحايا الاتجار بالبشر، أو ضحايا التعذيب. وقالت «اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب » إن سياسة مالطة التي تقضي باعتقال جميع المهاجرين وطالبي اللجوء ترتبط بارتفاع مد العنصرية والتعصب في الجزيرة.
وكان آخرون يواجهون التمييز والإقصاء بسبب أوضاعهم القانونية، أو عدم تمتعهم بصفة قانونية، ومن بينهم النازحون من جراء الصراع في يوغوسلافيا السابقة والاتحاد السوفيتي السابق، إذ فُرضت القيود على ألوان شتى من الحقوق أو حُرموا من التمتع بها أصلاً، وهو ما كان يرتبط بقضايا التسجيل والإقامة. ومثَّل استمرار العمل في بعض المناطق بالنظام القديم الذي كان قائماً في الاتحاد السوفيتي، ويُسمى «بروبيسكا »، أي تسجيل المواطن في مكان إقامته الدائم، فرصةً لتكاثر الفساد والاستغلال، إذ كان يمكن التغلب على الكثير من القيود القانونية بدفع رشوة ما. وكانت نتيجة هذا، بطبيعة الحال، أن من لا يتمتعون بالثراء اللازم لدفع الرشا قد استُبعدوا من مظلة ذلك النظام المشؤوم.
وما برح كثير من العائدين من أفراد الأقليات إلى بعض مناطق يوغوسلافيا السابقة يواجهون التمييز في التمتع بعدد من الخدمات، وفي العثور على العمل، بما في ذلك التوظف في المؤسسات العامة، وفي استعادة أملاكهم أو حقوق الحيازة بالإيجار. واستمر في تركمانستان تطبيق سياسة التحقق من الأصول التركمانية للأشخاص حتى الجيل الثالث، وتسبب ذلك في فرض القيود على الفرص المتاحة للعمل والتعليم العالي أمام الأقليات العرقية.
وساعد مناخ العنصرية والتعصب في بلدان عديدة على مواصلة إقصاء بعض الأشخاص من المجتمع أو الحكومة، وأفرخ المزيد من التمييز.
وكان المهاجرون، وأفراد طائفة «الروما »، واليهود، والمسلمون من بين من تعرضوا لجرائم الكراهية على أيدي الأفراد أو الجماعات المتطرفة. وكثيراً ما كان العجز عن إدراك خطورة الجرائم ذات الدوافع العنصرية والافتقار إلى الإرادة السياسية يؤديان إلى إفلات مرتكبيها من العقاب. وفي أعقاب ازدياد حدة المشاعر المعادية لطائفة «الروما » ووقوع عدد من أحداث العنف في عدة بلدان أوروبية، مثل الجمهورية التشيكية والمجر، قال «مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنصرية »، في نوفمبر/تشرين الثاني، «إن هذه الأفعال تكشف عن مشكلات خطيرة وعميقة الجذور بشأن العنصرية والتمييز ضد طائفة الروما في قلب أوروبا الحديثة، ولابد من التصدي لهذه المشكلات بأقوى الأساليب ومن خلال سيادة القانون .»
وربما كان أنصع مثال على التمييز المنتظم والمؤسسي في المنطقة ذلك الذي تتعرض له طائفة «الروما »، إذ ظلوا مستبعدين إلى حد بعيد من الحياة العامة في جميع البلدان. وكانت أسر «الروما » تعجز عن التمتع الكامل بخدمات الإسكان والتعليم والعمل والصحة، وكان عدد كبير منها يعيش في أماكن بمثابة أحياء الأقليات المنفصلة، في عزلة مادية عن قطاعات المجتمع الأخرى، دون التمتع في حالات كثيرة إلا بقدر محدود، أو عدم التمتع على الإطلاق، بإمدادات المياه أو الكهرباء، أو المرافق الصحية، أو الطرق الممهدة، أو غير ذلك من العناصر الجوهرية للبنية الأساسية. وكان الإجلاء القسري لأفراد طائفة «الروما » في بعض البلدان، مثل إيطاليا، سبباً في ازدياد ترديهم في الفقر. وظل بعض أفراد طائفة «الروما » نازحين في مخيمات في شمال كوسوفو، حيث تضررت صحتهم بشدة من التلوث بالرصاص.
"أعرف أن هناك كثيراً من الأطفال من «الروما» (الغجر) يعتقدون أن المدرسة الخاصة سهلة للغاية. بعض التلاميذ هناك يتسمون بالذكاء الشديد، ولكنهم لسبب أو لآخر يدرسون في هذه المدرسة... لا أحب هذه المدرسة، لأنني لا أتعلم الكثير فيها. فما درسته في الصف السابع في المدرسة الخاصة هو نفسه ما تعلمته في الصف الثالث في المدرسة العادية." - طفل من طائفة «الروما»، يبلغ من العمر 14 عاماً، وأمضى ستة أشهر في المدرسة الخاصة في بافلوفيتش ناد يوم، بسبب خطأ «إداري».
ولم تقم السلطات في بعض البلدان بتحقيق الاندماج الكامل لأطفال طائفة «الروما » في النظام التعليمي، وكانت تقبل أو تشجع الانفصال بتخصيص مدارس لأبناء «الروما » وحدهم، وتلحقهم بمدارس أو فصول دراسية خاصة للتلاميذ الذين يعانون من الضعف العقلي، حيث تقتصر الدراسة على مناهج دراسية محدودة. وتقول إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية، وهي منظمة «أنقذوا الأطفال ،» إن نسبة لا تزيد عن 20 إلى 30 بالمئة من أطفال «الروما » في البوسنة والهرسك كانوا تلاميذ في المدارس الابتدائية، وأما نسبة الذين يلتحقون بالتعليم في المرحلة السابقة للمدرسة فلم تكن تزيد عن 0.5 إلى 3 بالمئة.
وكانت أحوال الإسكان المتواضعة، والعزلة المادية والثقافية، والفقر، وانعدام وسائل الانتقال من العوامل التي أدت أيضاً إلى إعاقة أطفال «الروما » عن الالتحاق بالمدارس. وكان رسم الصور النمطية لهم يلقي بظلال كئيبة على آفاق مستقبلهم ويؤدي إلى المزيد من حرمانهم من الحقوق.
وتقاعست السلطات الألبانية من جديد عن تنفيذ القوانين التي تنص على إيلاء الأولوية في الإسكان لليتامى الذين يتمون مرحلة التعليم الثانوي أو يبلغون سن الرشد. وظل نحو 300 من هؤلاء البالغين الذين تيتموا في طفولتهم يقيمون معاً في مساكن متداعية لا تفي بحاجاتهم، وهي أحوال أدت إلى تفاقم ما يعانونه من نبذ اجتماعي. ولما كانت مؤهلاتهم محدودة، فقد ظلوا عاطلين في حالات كثيرة، أو يقومون بأعمال العارضة بأجور زهيدة، ويعيشون عيش الكفاف على الحد الأدنى من المعونة الذي تقدمه الدولة.
تكميم الأفواه
كانت مناطق شاسعة في هذه المنطقة على مر الأجيال تمثل مناراً، بشتى الصور، لحرية التعبير والحكم القائم على المشاركة. واستطاع المدافعون عن حقوق الإنسان، والمنظمات غير الحكومية ونشطاء المجتمعات المحلية إحراز نجاحات كثيرة في أوروبا ووسط آسيا في عقود متوالية. ولكن ازدياد انعدام الأمن وإعادة تشكيل التكتلات الدولية في المنطقة أديا إلى تقليص المساحة المتاحة للأصوات المستقلة والمجتمع المدني في عام 2008 في بعض المناطق. وفي البلدان التي كانت المساحة المتاحة للمعارضة محدودة أصلاً، ظل الذين يحاولون كشف الانتهاكات، أو الإفصاح عن آراء بديلة، أو محاسبة الحكومات أو سواها، عاجزين عن إسماع صوتهم للآخرين، أو تعرضوا لتكميم أفواههم. وظلت حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات عرضةً للهجوم، كما كان حال المدافعين عن حقوق الإنسان أنفسهم.
ففي تركيا، ظلت آراء المعارضين تُواجه بالإحالة للمحاكمة أو بالترهيب. وكان عمل المدافعين عن حقوق الإنسان يعوقه رفع القضايا دون مبرر. كما تعرض بعض البارزين من المدافعين عن حقوق الإنسان للتحقيقات الجنائية المنتظمة معهم، وتعرض غيرهم للتهديدات المرسلة من أفراد مجهولين أو جماعات مجهولة نتيجة نشاطهم. كما كانت المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان تتعرض أيضاً لإجراءات الفحص الإداري المبالغ فيها لعملها، وكانت المحاكم تبالغ في الأمر بإغلاق مواقع الإنترنت. وفُرض الحظر على بعض المظاهرات دون سبب مشروع، وأما ما كان يجري منها دون الحصول على تصريح وخصوصاً في المنطقة الجنوبية الشرقية من تركيا التي يسكنها الأكراد، فقد كانت الشرطة تقوم بتفريقها باستخدام القوة المفرطة، وكثيراً ما كان ذلك دون محاولة استخدام الوسائل السلمية لفضها.
وفي بيلاروس، واصلت الحكومة فرض الرقابة المفرطة على المجتمع المدني، فلم تسمح بحرية تكوين الجمعيات أو حرية التعبير. وازدادت رقابة الدولة على أجهزة الإعلام، واستمرت القيود المفروضة على أجهزة الإعلام، واستمرت القيود المفروضة على أجهزة الإعلام المستقلة. وحظرت الحكومة عقد بعض الحفلات العامة، وفرضت الغرامات على المتظاهرين السلميين، إلى جانب حبسهم فترات قصيرة. وتعرض نشطاء المجتمع المدني والصحفيون للمضايقة.
ولم تشهد أوزبكستان تحسناً يُذكر في مجال حرية التعبير وحرية التجمع. واستمر استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء والصحفيين المستقلين بسبب العمل الذي يقومون به، على الرغم مما تزعمه السلطات بعكس ذلك. وظل ما لا يقل عن 10 من المدافعين عن حقوق الإنسان في السجن في ذلك البلد، في ظروف قاسية وغير إنسانية ومهينة، بعد صدور الأحكام عليهم بالسجن لمدد طويلة إثر محاكمات جائرة. ولم تكن تتاح لهم إلا فرص محدودة لمقابل أقاربهم والاتصال بممثليهم القانونيين، كما ورد أنهم تعرضوا للتعذيب أو لضروب أخرى من سوء المعاملة. وورد أن بعضهم يعاني من أمراض خطيرة في محبسه.
"للأسف، فإن الإفراج عني ليس دليلاً على حدوث تقدم في وضع حقوق الإنسان في أوزبكستان. فبعد خمسة أيام من الإفراج عني، قُبض على الصحفي وداعية حقوق الإنسان صلاح الدين عبد الرحمنوف، وبعد شهر قُبض على زميل آخر، هو أكظم تورغونوف. وفي أول أكتوبر/تشرين الأول، حُكم على الرجلين بالسجن 10 سنوات. وأنا على يقين من أن عدد ضحايا النظام ممن قُبض عليهم هو أكبر عشر مرات أو أكثر من العدد المعلن." - معتبر طاجيباييف، التي أُطلق سراحها في 2 يونيو/حزيران، من كلمة أثناء تسلمها جائزة "مارتن إينالز للمدافعين عن حقوق الإنسان"، نوفمبر/تشرين الثاني 2008.
وشرعت السلطات في تركمانستان في حملة جديدة من القمع ضد نشطاء المجتمع المدني والصحفيين المستقلين، كما ظل من ينشر أنباء أنشطة المعارضة من الصحفيين المستقلين وأجهزة الإعلام المستقلة في أرمينيا وأذربيجان عرضة للمضايقة.
وكانت قوانين السب والقذف والتشريعات الصادرة لمحاربة التطرف تُستخدم في روسيا لإسكات أصوات المعارضين وتكميم أفواه الصحفيين ودعاة حقوق الإنسان. وكانت السلطات تستهدف المستقلين من الصحفيين وأجهزة الإعلام والمنظمات غير الحكومية لنشر أنباء انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة شمال القوقاز غير المستقرة. وفي هذا الجو الذي يزداد فيه التشدد في رفض الآراء المستقلة، تعرض عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان ومناصري جماعات المعارضة للتهم الجنائية بسبب تعبيرهم عن آراء مخالفة لآراء الحكومة أو انتقادهم للسلطات الحكومية.
وما برح ممثلو الجماعات الدينية أو العقائد الدينية التي لا تنضوي في الهياكل المصرح بها رسمياً، أو من ينتمون إلى جماعات غير تقليدية، يتعرضون للمضايقة في أذربيجان وأرمينيا وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان.
"ما فعله «مهرجان الكبرياء» هو أنه دفع بذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر في بلغاريا إلى صدارة الاهتمام العام، حيث أثار المهرجان مناقشات عامة حول... معنى «التقبل». كان هناك مناخ من التخويف والكراهية من جانب القوميين، وتهديدات بأنهم سوف يقتلوننا، وأنهم أعدوا قنابل مسننة لإلقائها علينا، وما إلى ذلك... كنا نرتعد من الخوف... ونبتهل ألا يحدث ذلك. وبالرغم من هذا الخوف، فإن هناك أشياء لا يُمكن أن تُنسى: هناك الإحساس بروح الجماعة، بالتضامن، وباهتمام الإعلاميين الذين كانوا منتشرين في كل مكان." - ألكسينيا غينشيفا، مديرة منظمة «بيغو غيمني» البلغارية المعنية بذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، يونيو/حزيران 2008.
وواصلت السلطات في عدد من البلدان إشاعة أجواء من التعصب ضد جماعات ذوي الميول المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر حتى تزداد صعوبة إسماع أصواتهم للآخرين وحماية حقوقهم. وكانت السلطات تقيم العقبات في وجه الحفلات العامة، وتمتنع عن توفير الحماية الكافية للمشاركين فيها، واستخدم بعض كبار السياسيين لغة تعبر صراحة عن كراهية ذوي الميول الجنسية المثلية. وحُظرت بعض الحفلات العامة المؤيدة لتلك الجماعات في بيلاروس وليتوانيا ومولدوفا. واضطُر من نظموا أول حفل من هذا النوع في البوسنة والهرسك إلى إنهائه قبل موعده بسبب التهديدات التي تلقوها بقتلهم والتهديد بالاعتداء على المشاركين. وكان الاحتفال يجري في جو من التخويف، إذ شن بعض السياسيين ووسائل الإعلام حملة كراهية لذوي الميول المثلية الجنسية. وفي تركيا، استمر التمييز القائم على الميل الجنسي أو النوع، كما استمرت الادعاءات عن تعرض المتحولين للجنس الآخر لصنوف من العنف على أيدي الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون. كما أمرت إحدى المحاكم بإغلاق منظمة تؤيد حقوق ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، باعتبار أن أهداف المنظمة «تتنافى مع القيم الأخلاقية والبناء الأسري »
الخاتمة
على الرغم من التطورات التي تدعو إلى القلق وتمنع التلبية الكاملة لحقوق الإنسان لجميع أبناء أوروبا ووسط آسيا، فقد شهد عام 2008 بعض الخطوات الإيجابية التي لابد من البناء عليها في الأعوام المقبلة. ففي إطار الاتجاه الإيجابي المستمر، انضمت أوزبكستان إلى جيرانها الذين ألغوا عقوبة الإعدام، فأصبحت بيلاروس هي البلد الوحيد الذي يطبق هذه العقوبة، لا في أوروبا وحسب بل في شتى أرجاء منطقة وسط آسيا أيضاً.
وظل كثير من مرتكبي الانتهاكات في تلك المنطقة يفلتون من قبضة العدالة، ولكن القبض على زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كارازيتش وتسليمه إلى مؤسسات العدالة الدولية كان يمثل، كما سبق أن ذكرنا، خطوة مهمة على طريق التصدي للذين أفلتوا من العقاب على جرائم الحرب المرتكبة في يوغوسلافيا السابقة. ويتمثل التحدي حالياً في تكرار ذلك على المستوى المحلي، حيث لا تبذل المحاكم المحلية الجهود الكافية أو الكاملة، وهو ما كان في حالات كثيرة سبباً أو دافعاً للاستمرار في الإفلات من العقاب في دول البلقان التي خلفت يوغوسلافيا السابقة.
وكانت أوروبا تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لحماية حقوق الإنسان في المنطقة. إذ لم يقم الاتحاد الأوروبي ولم تقم الدول الأعضاء فيه باتخاذ الإجراءات الفعالة لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان والتصدي لها داخل أراضيها وخارجها.
ولابد من إنشاء نظم مساءلة أقوى لضمان الحماية الفعالة لحقوق الإنسان، وهكذا فإن على الاتحاد الأوروبي، جنبا إلى جنب مع مجلس أوروبا، أن يتحمل مسؤوليته في الكفاح ضد التمييز والفقر وانعدام الأمن.
أما الهيئات التابعة لمجلس أوروبا، وآليات الرصد التي يستخدمها، فقد برزت باعتبارها مناراً لحماية حقوق الإنسان. وفي سبتمبر/أيلول، أصدرت «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان » الحكم الذي وصل بعدد الأحكام التي أصدرتها إلى عشرة آلاف، وفي نوفمبر/تشرين الثاني، احتفلت المحكمة بمرور 10 سنوات كاملة على إنشائها باعتبارها محكمة متفرغة. ومع ذلك، استمرت المناقشات حول أسلوب النظر في العدد المتزايد من القضايا التي ما زالت قيد النظر في المحكمة.
وانتهي العام بانتصار آخر للمساءلة، إذ أثبت كيف تحقق ضروب كفاح الأفراد النجاح في إسماع أصواتهم للآخرين، وفي حمل الغير على أخذ أصواتهم في اعتباره، وإدراج هذه الأصوات في القضية. ففي 25 ديسمبر/كانون الأول، اعترفت حكومة الجبل الأسود رسمياً بمسؤوليتها عن «ترحيل » اللاجئين البوسنيين في 1992 ، وكان أقارب هؤلاء اللاجئين قد رفعوا قضايا على الحكومة، مطالبين بالتعويضات عن اختفاء ذويهم، ولكن الحكومة استأنفت كل حكم أصدرته المحاكم بدفع التعويضات إلى الأقارب، أي إنها في الواقع أحبطت حق الضحايا في تحقيق الإنصاف والحصول على التعويضات. ومع ذلك، ففي ديسمبر/كانون الأول أخبرت الحكومة المحامين الموكلين عن أسر الضحايا أنها سوف تقدم التعويضات عن جميع الأشخاص الذين تضرروا من الاختفاء القسري وعددهم 193 شخصاً، من بينهم تسعة كُتبت لهم النجاة من معسكر الاعتقال الذي أقامه جيش صرب البوسنة في فوكا، و 28 من أفراد أسرهم، و 156 امرأة وطفلا، وآباء وأشقاء 83 رجلاً قتلتهم القوات المسلحة لصرب البوسنة بعد أن تسلمتهم من شرطة الجبل الأسود التي تسببت في اختفائهم القسري.
وتلقت منظمة العفو الدولية رسالةً من دراغان وتيا بريلفيتش، المحاميين الموكلين عن أسر الضحايا البالغ عددهم 45 ، قالا فيه: «تشعر جميع الأسر أنها قد تخففت من عبء ثقيل الوطأة، يتمثل في إنكار الدولة لحقوقها على امتداد 16 عاماً، كما تشعر آخر الأمر بتحقيق بعض العدالة. لقد أُزيحت علامة على الطريق ونتوقع أن يكون لها تأثير إيجابي بالنسبة لجميع ضحايا جرائم الحرب في الجبل الأسود وسائر المنطقة... ونحن ندرك خير إدراك أنه كان من المحال على جميع هؤلاء المكلومين الشجعان من نساء وأطفال ورجال أن يشهدوا حلول هذا اليوم لولا مساندتكم .»



